التنوع البيولوجي والزراعة وتغير المناخ: الروابط وأهمية الحفاظ على البيئة

التنوع البيولوجي هو أساس النظم البيئية السليمة، ويضمن المياه النظيفة والتربة الصحية والغذاء. ومع ذلك، فهو يتراجع بسرعة في جميع أنحاء العالم، حيث انخفضت أعداد الحيوانات البرية بنسبة تتراوح بين 60 و70% منذ عام 1970. يُعدّ فقدان التنوع البيولوجي خطيراً كخطورة تغير المناخ. فالغابات والأراضي الرطبة السليمة تُخزّن الكربون وتُخفّف من آثار الظواهر الجوية المتطرفة. لذا، فإن الحفاظ على التنوع البيولوجي يعني تعزيز قدرة الزراعة على التكيف مع تغير المناخ وضمان الأمن الغذائي.

الزراعة وفقدان التنوع البيولوجي

تُدمر الزراعة المكثفة التنوع البيولوجي بشكل مباشر. إذ تحل الحقول والمراعي الشاسعة محل الموائل الطبيعية، فعلى مدى الخمسين عامًا الماضية، ارتبطت الزراعة بتحويل ما يصل إلى 80% من الأراضي. فعلى سبيل المثال، في منطقة الأمازون، دُمر حوالي 150 مليون هكتار من الغابات المطيرة لتربية الماشية وزراعة فول الصويا، مما أدى إلى فقدان واسع النطاق للأنواع. كما تُدمر الزراعات الأحادية ورش المبيدات الكيميائية الحشرات والنباتات المحلية المفيدة للنظم البيئية.

تغير المناخ والتنوع البيولوجي

يُفاقم تغير المناخ الضغط على التنوع البيولوجي: فالجفاف والفيضانات والحرائق تُدمر الموائل وتُهدد الأنواع. في المقابل، تُخفف الغابات والأراضي الرطبة السليمة من آثار الظواهر المناخية المتطرفة، إذ تُخزن الكربون، وتُنظم المياه، وتُساهم في استقرار المناخ. ويُؤدي تدمير النظم البيئية إلى إطلاق كميات إضافية من الكربون في الغلاف الجوي، حيث تُشير الأبحاث إلى أن إزالة الغابات يُمكن أن تُطلق كميات من ثاني أكسيد الكربون تفوق ما يُطلقه حرق الوقود الأحفوري.

التنوع البيولوجي من أجل الزراعة المستدامة والقدرة على التكيف مع تغير المناخ

يُحقق التنوع البيولوجي فوائد جوهرية للزراعة:

  • التلقيحتُلقّح النحلات والفراشات وغيرها من الملقحات ما يقارب 75 مليار طن من المحاصيل (حوالي 35 مليار طن من الإنتاج العالمي). وبدونها، ستنخفض غلة الفواكه والخضراوات والكاكاو.
  • الحماية البيولوجية: إن القوة المتنوعة للحيوانات (المفترسات والطفيليات) تحافظ بشكل طبيعي على أعداد الآفات تحت السيطرة، مما يقلل الحاجة إلى المبيدات الحشرية ويحافظ على النظم البيئية الصحية.
  • تربة ومياه صحيةتتميز المزارع المُدارة وفق مبادئ الزراعة الإيكولوجية بتربة أكثر خصوبة. إذ تقوم الكائنات الدقيقة والنباتات بتحويل المواد العضوية إلى مغذيات، وتحتفظ بالماء، وتمنع التعرية. كما أن هذه التربة تخزن كميات أكبر من الكربون.
أمثلة من مختلف أنحاء العالم
  • أمريكا الجنوبية (الأمازون)تمت إزالة حوالي 150 مليون هكتار لإنشاء مراعي للماشية ومزارع فول الصويا، مما يمثل خسارة فادحة للغابات المطيرة. وهذا يعني اختفاء مئات الأنواع من النباتات والحيوانات، واضطراب دورة المياه المحلية.
  • جنوب شرق آسيا (زيت النخيل)في إندونيسيا وماليزيا، حلت مزارع نخيل الزيت أحادية المحصول محل الغابات الأصلية الغنية بالتنوع البيولوجي. فقدت حيوانات إنسان الغاب والنمور والفيلة على وجه الخصوص مواطنها، بينما لم تجذب مزارع أحادية المحصول سوى الأعشاب الضارة وعدد قليل من الأنواع المتسامحة.
  • أفريقيايعمل المزارعون في بعض مناطق أفريقيا على استعادة التنوع البيولوجي وخصوبة التربة من خلال الزراعة الحراجية. فعلى سبيل المثال، في كينيا وأوغندا، يقومون بإنشاء ما يسمى بـ "الغابات الصالحة للأكل"، حيث يزرعون محاصيل وأعشاباً متكاملة بين مجموعة متنوعة من الأشجار والشجيرات والخضراوات، مما يزيد من الإنتاجية ويحسن احتفاظ التربة بالماء.
  • أوروباتُساهم أساليب الزراعة المكثفة أيضاً في تقليل التنوع البيولوجي في أوروبا. فعلى سبيل المثال، انخفض عدد الطيور الزراعية النموذجية في جميع أنحاء أوروبا بمعدل يزيد عن 50 طائراً منذ ثمانينيات القرن الماضي. واستجابةً لذلك، تُزرع المروج والأشجار والتحوطات على طول الحقول، ويجري تقليل استخدام المواد الكيميائية، وكل ذلك يُساعد المزارع على استقطاب الملقحات وغيرها من الأنواع.
التحديات والحلول

يُشدد دوليًا على ضرورة ترابط التنوع البيولوجي والزراعة وحماية المناخ. فعلى سبيل المثال، حددت اتفاقية كونمينغ-مونتريال (2022) هدفًا لحماية 30 مليار طن من الأراضي والمحيطات بحلول عام 2030. وتدعو الاتفاقيات الدولية (اتفاقية باريس، اتفاقية التنوع البيولوجي) إلى استراتيجيات تكاملية لاستعادة الموائل الطبيعية مع الحد من الانبعاثات. وتوصي منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) وغيرها من الجهات المختصة باتباع مناهج الزراعة الإيكولوجية، مثل زراعة المحاصيل جنبًا إلى جنب مع الأشجار (الزراعة الحراجية) التي تُحسّن التربة، وتُخزّن الكربون، وتزيد من قدرة المزارع على مواجهة الجفاف والفيضانات. وتشمل الحلول الأخرى حماية الغابات القديمة والأراضي الرطبة، والحد من استخدام المبيدات، ودعم الاقتصادات التقليدية، وكل ذلك سيؤدي إلى مزارع أكثر استقرارًا وإنتاج مستدام.

التنوع البيولوجي ليس ترفاً أو أمراً ثانوياً، بل هو أساس المزارع الصحية والمناخ الأكثر استقراراً. إن حماية الطبيعة واستعادتها ستمكننا من التكيف بشكل أفضل مع عالم متغير، وتضمن مستقبلاً غذائياً للأجيال القادمة. SpringR

مصدر: تم أخذ البيانات والتوصيات المذكورة من دراسات وتقارير صادرة عن منظمات دولية (الصندوق العالمي للطبيعة، ومنظمة الأغذية والزراعة، والمنتدى الاقتصادي العالمي، والأمم المتحدة، وما إلى ذلك) حول الروابط بين التنوع البيولوجي والزراعة وتغير المناخ.

- إذا وجدت عيبًا في المقال أو لديك تعليقات، فيرجى إخبارنا بذلك.

قد يهمك...